تاريخ علم الأدوية النفسية


التصنيف: علم نفس  »  ادوية  »     |   الكاتب: dina   |   التاريخ: 2012-05-24   |   قراءة: 1056 مرة



- تاريخ علم الأدوية النفسية:-


يعد علم الأدوية النفسية أو سيكوفارماكولوجي Psychopharmacology علماً حديثاً نسبياً إذا ما نظرنا إليه كعلم محدد المعالم وذي أسس موضوعية، فعمره قد تجاوز الخمسين عاماً بقليل. وترجع البدايات الصحيحة لهذا العلم إلى عام 1949 حين أشار الطبيب الاسترالي كاد Cad إلى أثر أملاح الليثيوم Lithium salts في علاج حالات التهيج التي تصيب مرضى الذهان Psychotic agitation. وقبل هذا التاريخ امتدت معرفة الإنسان بالآثار الطبية للأعشاب لآلاف السنين، سواء في مجال الطب بعامة أو في مجال الحالات النفسية بخاصة، ولكنها كانت من منطلق الاكتشاف بالصدفة أو التجربة والخطأ.



وكلمة سيكوفارماكولوجي كلمة مكونة من مقطعين: سيكو بمعنى نفسي، وفارماكولوجي بمعنى علم الأدوية، وهذه الكلمة الأخيرة تتكون من مصطلحين لاتينيين هما: فارماكون Pharmakon وتعني الدواء أو طب، وكلمة لوجوس Logos وتعني العلم. ومن ثم تكون الكلمة في مجملها تعني علم الأدوية النفسية، أو العلم الذي يتعامل مع الأدوية وآثارها وطبيعتها وطرق تحضيرها وطرق تناولها. وقد عرًف أوسوالد شميدبيرج O. Schmeidberg (1838-1921) علم الأدوية بأنه علم تجريبي يدرس التغيرات التي تحدثها المواد الكيميائية في جسم الكائن الحي، سواء استخدمت هذه المواد لأغراض علاجية أو لغير ذلك. وفي سياق هذا التعريف فإن كلمة سيكوفارماكولوجي تعني علم الأدوية النفسية، أو العلم الذي يتعامل مع العقاقير التي تؤثر على الحالة النفسية أو الوظائف النفسية للفرد.
وفي مقابل علم الأدوية النفسية يوجد علم آخر وثيق الصلة به وهو علم الأدوية العصبية أو نيوروفارماكولوجي Neuropharmacology، والذي يتناول تأثير العقاقير على النسيج العصبي في الجسم. ودراسة هذا العلم هي الأساس لدراسة علم الأدوية النفسية حيث تستخدم مبادئه في تقييم تأثير العقاقير في الطب النفسي، وفي دراسة علم الأعصاب الحيوي أو النيوروبيولوجي Neurobiology.

ويُعد موريو Moreau (1804-1844) رائداً في العصر الحديث في مجال استخدام العقاقير للتحكم في السلوك المرضي، فقد استخدم مزيجاً من الحشيش والقهوة لعلاج هذه الاضطرابات، واستمر الموقف على هذا النحو حتى عام 1918 حين استطاع فون جوريج V. Jauregg الحاصل على جائزة نوبل في مجال الطب النفسي، أن يستخدم العقاقير المستخدمة في علاج الملاريا لعلاج المرحلة الثالثة من مرض الزهري Syphilis (أحد الأمراض الجنسية المنتشرة في ذلك الوقت)، والذي يصيب الجهاز العصبي ويمر بعدة مراحل على مدة سنوات، وتكون أعراضه في المرحلة الثالثة والنهائية أعراضاً عقلية.
وفي عام 1832 تم تصنيع مادة الكلورال هيدرات Chloral Hydrate التي ظلت تستخدم إكلينيكياً كمادة مهدئة ومنومة لمدة تزيد عن القرن. وفي عام 1862 تم تصنيع حمض الباربيتيوريك Barbituric acid الذي اكتشفه الطبيب الألماني باير، والذي اشتقت منه بعد ذلك الباربيتيورات واستخدمت لأول مرة في الطب عام 1905 لعلاج الحالات النفسية كالأرق والقلق، كما استخدمت كمادة مخدرة في العمليات الجراحية.
وفي عام 1886 أقترح لانج Lang استخدام أملاح الليثيوم في علاج حالات الهياج التي تصيب بعض المرضى، وبعد ذلك بعدة سنوات (1948) لوحظ مدى تأثير هذه الأملاح على أعراض مرض الهوس Mania واستفاد المرضى منها استفادة كبيرة، حتى أنها مازالت تستخدم حتى الآن في علاج هذه الأعراض، وفي الوقاية من حدوث نوبات انتكاس لهؤلاء المرضى.
وفي عام 1931 اقترح كل من سين وبوز Sen & Bose استخدام قلويات نبات الروالفيا Rouwalfia alkaloids في علاج الحالات العقلية. وجدير بالذكر أن الطبيب البرتغالي جارسيا دي أورتا G. De Orta قد أشار في مذكراته التي كتبها في بداية القرن السادس عشر، إلى تأثير أحد الأدوية التي تعامل معها لأكثر من ثلاثين عاماً في الشرق الأقصى. وهذا الدواء تم استخلاصه من جذور نبات روالفيا سيربنتينا Rouwalfia Seprntina الذي تعود تسميته إلى الطبيب وعالم النبات الألماني ليونارد روالف الذي جاب أنحاء العالم لدراسة النباتات الطبية.


وقدم ساكيل Sakel عام 1933 ما عرف بالعلاج بالإنسولين Insulin therapy الذي انتشر كطريقة علاجية عرفت باسم العلاج بغيبوبة الإنسولين Insulin coma therapy في أربعينات القرن الماضي. وفي عام 1938 قدم سيرليتي Cerelti العلاج بالصدمات الكهربية التي استخدمت ومازالت على نطاق واسع، وتُعد أحد الطرق الفعالة في علاج الاضطرابات الذهانية بشكل عام، ونوبات الاكتئاب بشكل خاص، خاصة تلك المصحوبة بميول ورغبات انتحارية عالية.
وفي عام 1952 استطاع علماء الكيمياء في سويسرا استخراج مادة الريزربين Reserpine من نبات الورالفيا، وكان لها تأثير واضح في علاج الفصام. وفي نفس العام استطاع كل من شاربنتيه ولابوريه Charpentier & Labortit في فرنسا تصنيع مادة الكلوروبرومازين Chloropromazine وهو المشتق الأول من مشتقات الفينوثيازين Phenothiazine المستخدمة بنجاح في علاج الاضطرابات الذهانية. وقد استطاع العلماء باستخدام هذه المادة الفعالة أن يوقفوا علاج هذه الاضطرابات بالجراحة النفسية التي كانت سائدة في تسعينات القرن التاسع عشر، بل إن هذا العقار أزاح أيضاً طريقة العلاج بغيبوبة الإنسولين، التي صارت مجرد تاريخ في هذا المجال. وفي عام 1957 ظهرت مضادات الاكتئاب التي تلاها ظهور عقاقير البنزوديازيبين Benzodiazepines عام 1960 والتي استخدمت ومازالت حتى الآن على نطاق واسع في علاج اضطرابات القلق.
والجدير بالذكر أن التغيرات البيوكيميائية والفسيولوجية الكامنة وراء الاضطرابات النفسية ظلت لسنوات طويلة غير معروفة، وكان استخدام العقاقير في علاج هذه الحالات في بداية الأمر مجرد طريقة تجريبية يتم من خلالها اكتشاف التأثيرات الدوائية لهذه المواد دون التعرف على طبيعة الكيفية التي تعمل بها أو طبيعة الخلل الذي تقوم بإصلاحه. ولكن يكفي القول بأن استخدام هذه العقاقير ساعد على تحرر العديد من المرضى العقليين خارج أسوار المستشفيات العقلية، وسمح لهم بممارسة حياتهم الطبيعة وسط المجتمع.


منتدى -اكاديمية علم النفس 


اضف تعليق


الكلمات الدالة (الوسوم): علم الأدوية النفسية  |  الحالات النفسية  |  سيكو  |  موريو  |  علاج  |  ساكيل  |  الإنسولين